عمالة أطفال النظافة.. جريمة يعاقب عليها القانون

بقلم / محمد عبد الظاهر 

لم يعد مشهد الأطفال الذين يعملون في أعمال النظافة مجرد صورة عابرة في الشوارع ولا يمكن التعامل معه باعتباره أمرًا طبيعيًا فرضته ظروف المعيشة. عندما يتحول الطفل إلى عامل يحمل أدوات النظافة أو يعمل بجوار المعدات واللوادر وفي الطرق وتحت أشعة الشمس، فنحن أمام خطر حقيقي يهدد حياته ومستقبله، وقبل كل شيء أمام مخالفة صريحة للقانون.

عمالة الأطفال ليست حلًا للفقر وليست وسيلة لمساعدة الأسرة على مواجهة أعباء الحياة الطفل مكانه الطبيعي المدرسة، وليس الشارع، ولا مواقع العمل التي قد تعرضه للدهس أو الإصابات أو الاستغلال.

والأخطر أن بعض أعمال النظافة ترتبط بمخاطر شديدة، بداية من التعامل مع المخلفات مرورًا بالعمل بالقرب من السيارات والمعدات الثقيلة وصولًا إلى التعرض للحرارة والإرهاق والإصابات.

وهنا يصبح السؤال مشروعًا: من سمح لطفل لم يبلغ السن القانونية بالعمل؟ ومن المسؤول عن حمايته أثناء وجوده في موقع العمل؟

القانون المصري وضع ضوابط واضحة لحماية الأطفال من الاستغلال في العمل، وحظر تشغيل الأطفال في الأعمال التي تعرض صحتهم أو سلامتهم أو أخلاقهم للخطر، كما وضع شروطًا وضوابط لتشغيل من هم في سن العمل القانونية.

لكن المشكلة ليست دائمًا في غياب النصوص وإنما في ضعف الرقابة أحيانًا وفي محاولة بعض الجهات أو الشركات النظر إلى الطفل باعتباره مجرد “يد عاملة رخيصة” بينما الحقيقة أن التعامل معه بهذه الطريقة قد يحوله من عامل إلى ضحية في لحظة واحدة.

حادثة واحدة كفيلة بأن تكشف حجم الكارثة.

طفل يذهب إلى العمل لمساعدة أسرته  ثم يعود إليها مصابًا أو لا يعود على الإطلاق. عندها تبدأ الأسئلة المتأخرة: أين كانت الرقابة؟ أين كانت الشركة؟ أين المشرفون؟ وأين الجهات المسؤولة عن التأكد من أن من يعملون في هذه المواقع مستوفون للشروط القانونية؟

لا يمكن أن ننتظر وقوع كارثة جديدة حتى نتحرك.

المطلوب مراجعة آليات التعاقد مع شركات النظافة والتأكد من أعمار جميع العاملين وإجراء حملات تفتيش حقيقية ومستمرة على مواقع العمل  ومحاسبة أي جهة تسمح بتشغيل الأطفال في أعمال خطرة.

كما أن حماية الأطفال ليست مسؤولية الحكومة وحدهاالأسرة تتحمل جزءًا من المسؤولية  والمجتمع يتحمل جزءًا والشركات المتعاقدة تتحمل المسؤولية الأكبر عندما تستعين بأطفال في أعمال لا تتناسب مع أعمارهم ولا تحميهم من المخاطر.

الفقر مشكلة حقيقية لكن علاج الفقر لا يكون بإرسال الأطفال إلى الشوارع والمعدات الثقيلة.

الطفل الذي نراه اليوم يحمل كيس القمامة أو يعمل بجوار لودر  هو نفسه الذي يفترض أن نراه غدًا داخل مدرسة أو جامعة أو مكان عمل آمن يليق بإنسان بالغ.

عمالة الأطفال في أعمال النظافة ليست مشهدًا عاديًا ولا تفصيلًا صغيرًا في منظومة العمل.

إنها قضية حقوق وحياة ومستقبل وأي تساهل فيها قد يدفع ثمنه طفل لا ذنب له سوى أنه وُلد في أسرة تحتاج إلى المال.

حماية الطفل ليست رفاهية  ومن يضع طفلًا في خطر من أجل توفير تكلفة عامل بالغ لا يوفر المال بل يصنع جريمة قد يكون ثمنها حياة إنسان.