د. مصطفى الفقى يكتب: مصر والقوى الإقليمية فى الشرق الأوسط
تواجه مصر حملات إعلامية مشبوهة تتهم سياستها الخارجية المعروفة بالعقلانية والحكمة والرشادة على أنها ذات دور سلبى فى ظل ظروفٍ صعبة تمر بها المنطقة خصوصًا منذ أن تعرض الأشقاء فى الخليج لعدوانٍ غير مبرر من جانب قوة إقليمية لم تكن فى حالة عداء مع جيرانها وأعنى بها دولة إيران بكل ما تمثله من تشابك تاريخى وتداخل جغرافى مع الدول العربية الإسلامية المجاورة لها فى منطقة الخليج العربى، ولم يكن من المتوقع إطلاقًا فى خضم الأحداث المتسارعة التى تدور فى المنطقة أن توجه طهران ضرباتها لدول الخليج مثلما تفعل أحيانًا خلايا الجسد عندما تصاب بسرطانٍ مفاجئ يجعلها لا تفرق بين الجار الهادئ والعدو البعيد، وإذا كان التبرير الإيرانى لتلك الضربات أنها تستهدف قواعد انطلاق الوجود العسكرى الأمريكى فى المنطقة فإن ذلك لا يبرر أبدًا أن تقوم طهران بما فعلته لأن ذلك قد أدى إلى خلط الأوراق وتشكيل صورة عبثية للمنطقة، وإذا كانت إيران تطبق مقولة (على وعلى أعدائي) بلا تفرقة ولا تمييز فإنها قد سقطت فى بئر الفوضى ومستنقع الغموض الذى تبحر فيه سياسة طهران فى كثير من الظروف.
ولابد أن أعترف هنا بأننى كنت شخصيًا من دعاة احتواء إيران دولة الموالى من عجم وفرس وترك وكرد فهى تضم خليطًا كبيرًا من قوميات الجوار وفى مقدمتهم الجوار العربى بكل ما يعنيه وما يشير إليه، لذلك فإن ما جرى هو خسارة كبيرة لصورة إيران الدولية ومكانتها الإقليمية وتأكيد لحقيقة واضحة مؤداها أن إيران دولة التراث العريق والحضارة القديمة قد فشلت فى توظيف هويتها الإسلامية لتشكيل صورة أفضل لها أمام المجتمع الدولى وفى وسط صراعاته المتلاحقة، والذى يتأمل الموقف الراهن فى غرب آسيا سوف يكتشف بسهولة أن إيران تتخذ قراراتها الخارجية فى ظل ضغوطٍ داخلية وأزمات إقليمية وتهديدات خارجية، لأن الذى يتدخل فى شئون غيره فى العقود الأخيرة لابد أن يحصد الأشواك السامة فى نهاية المطاف!.
ومن سوء حظ إيران والمنطقة كلها أن إسرائيل تقف على الجانب الآخر تراقب فى كثب ما يجرى حولها وتحيل الأحداث إلى مسارات تخدم الأهداف الصهيونية البعيدة وكأنما ابتلينا نحن – دول المنطقة- بخيارين أحلاهما مر، فنحن لا ننكر العلاقات التاريخية بين إيران والعرب ولكننا نشعر بالألم فى الوقت ذاته لأن طهران منذ اندلاع الثورة الإسلامية عام 1979 وهى تمارس سياسات ناجحة فى كسب الأعداء وخلق المخاوف وصنع الاضطرابات خصوصًا باعتمادها على ما تسميه ساحات المقاومة وهو أمر مشروع فى ظل سطوة الاحتلال الإسرائيلى والحملات الصهيونية التى نجحت فى تشويه الواقع وتغيير معالم الأرض والدفع بالمنطقة نحو آفاقٍ غامضة ورؤى مجهولة، إذ إنه لا جدال أن مايحدث حاليًا إنما هو خصمٌ من النضال الفلسطينى وتنكر لدماء الشهداء فى غزة على امتداد السنوات الماضية حيث تأكد للجميع أن تضحيات الشعب الفلسطينى الباسل قد استخدمتها إيران لأهداف سياسية تخدم دورها الإقليمى وهى ترتدى قميص عثمان الذى نقصد به تضحيات ذلك الشعب الذى يقف حاليًا وهو ينظر حوله إلى الأرض السليبة والبيوت المهدمة والأمل الضائع، وها هو حزب الله يتلقى ضربات موجعة من الجيش الإسرائيلى الذى لم يتوقف عن مواصلة القمع والقهر والقتل العشوائى تحت مسمى تأمين إسرائيل بينما القذائف الإيرانية تصل إلى عمق الدولة العبرية فى سوابق جديدة لم يعهدها اليهود من قبل على امتداد العقود الأخيرة.
ولا يخالجنى شك أن ماهو قادم سيكون مختلفًا بالضرورة عن كل ما مضى، وأن فتح الستار بعد فترة قد لا تطول سوف يكشف عن ميلاد قوى جديدة بل ويسقط تحالفات تاريخية ويوقظ لدى العرب شعورًا حقيقيًا بالذات وضرورة تحقيق الأمن الاستراتيجى للدول العربية اعتمادًا على القدرات الذاتية والاستعدادات العسكرية، خصوصًا أننا قد اكتشفنا أخيرا أن دول الخليج ليست محدودة القدرة أو مهيضة الجناح، ويبقى الموقف المصرى شاهدًا على حكمة السياسة التى اتبعتها القاهرة فى السنوات الأخيرة، وهى سياسة تبدو فيها المسئولية القومية فوق كل اعتبار، كما أنها لا تغفل أيضًا المصلحة الوطنية للشعب المصرى الكبير حجمًا وعمقًا وقوة عسكرية ووعيًا بالتاريخ وقراءة للمستقبل وتأثيرًا فى محيطه العربى والإقليمي. فإلى الذين ينتقدون مصر وسياستها الخارجية أقول ضعوا أنفسكم فى موقف القاهرة السياسى دوليًا ومحليًا وإقليميًا بكل تلك الضغوط التى تحيط بها والمؤامرات التى تحاك ضدها تحت سمع وبصر الأشقاء والأصدقاء، عندئذٍ سوف يدرك الجميع أن مصر تصارع من أجل سلامة المنطقة والتوقف عن دفع فواتير عربية فى مغامراتٍ أمريكية وجرائم إسرائيلية ومفاجآت إيرانية تسعى إلى تحويل الوضع الراهن إلى حرب استنزاف طويلة المدى لإنهاك الوجود الأمريكى فى الشرق الأوسط.


