الأسرة كمحرك للصحة: منظور جراح أعصاب من أجل أمة أكثر صحة

بقلم الكاتبه / هديه محمد السامان نقلاً من الدكتور عبد السلام البلوشي، استشاري جراح أعصاب المعتمد من البورد الأمريكي
في دولة الإمارات العربية المتحدة، نقف اليوم عند منعطف حاسم، إذ أعلنت قيادةٌ ذات رؤية مستقبلية عام 2026 عامًا للأسرة، وهو التزامٌ جريء ليس مجرد رمز، بل هو خارطة طريق ملموسة لبناء أمة أكثر صحةً وقوة. وبصفتي جراح أعصاب تلقيت تدريبي في جامعة جونز هوبكنز، وأعمل حاليًا في الخطوط الأمامية للرعاية العصبية، فقد لمستُ بنفسي كيف تُشكّل الأسر جوهر الصحة والعافية؛ فعندما تتلقى الأسر التعليم والتمكين والدعم، يتجاوز النظام الصحي بأكمله الحدود التقليدية، ليصبح قوةً فاعلةً ووقائية. فالأسر السليمة ليست مجرد عنصر ثانوي في الرعاية الصحية، بل هي أساسها. إن الوقاية القائمة على معرفة الأسرة، والتثقيف في الوقت المناسب، والرعاية المتكاملة، تُخفف من عبء المرض، وتقلل من انقطاع العمل والدراسة، وترتقي بجودة حياة كل مواطن ومقيم. ويُتيح عام الأسرة فرصةً فريدةً للارتقاء بالرعاية التي تُركز على الأسرة من مجرد مفهوم واعد إلى معيار وطني، بما يعود بالنفع على جميع الأعمار والفئات السكانية. الوقاية خير من العلاج، ويُعدّ تثقيف الأسرة أداة وقائية فعّالة، إذ يُصبح تعديل عوامل الخطر، والفحص الدوري، والتطعيم، وخيارات نمط الحياة الصحي ممارسات يومية داخل المنازل، مما يُحدث أثراً إيجابياً يمتدّ ليشمل المدارس وأماكن العمل والمجتمعات على حدّ سواء. ويُساهم تمكين مقدمي الرعاية – المُدرّبين على الرعاية ما بعد الجراحة، وإدارة الأدوية، والالتزام ببرامج إعادة التأهيل – في تحسين مسارات التعافي وتقليل حالات إعادة التنويم في المستشفى، بينما يُرسّخ الإرشاد الأسري المتكامل ثقافة طلب المساعدة، ويُقلّل من الوصمة الاجتماعية، ويُعزّز التواصل الواضح بشأن المخاطر، والتوقعات، وأهداف الرعاية. وفي مجال إعادة التأهيل العصبي، يُعدّ دور مقدم الرعاية محورياً، حيث يُوفّر التدريب اليومي، والتشجيع، والمساءلة، مع تعزيز مشاركة جميع أفراد الأسرة للالتزام طويل الأمد وإعادة الاندماج بشكل أسرع في الحياة المستقلة. ومن الأمثلة البارزة على ذلك الوقاية من السكتة الدماغية: حيث يُعاني أحد سكان منتصف العمر المصابين بارتفاع ضغط الدم ونمط حياة خامل من ضعف مفاجئ وصعوبة في الكلام؛ تُدرك الأسرة الواعية العلامات، وتطلب الرعاية العاجلة، ويُوجّه بروتوكول سريع العلاج المبكر لإعادة التروية وإعادة التأهيل اللاحقة، مسترشدةً بتغييرات نمط الحياة التي تقودها الأسرة، مما يُقلل من إصابات الدماغ والإعاقة طويلة الأمد. تُشير قيادة دولة الإمارات العربية المتحدة، بتخصيصها عامًا للأسرة، إلى دعم قوي للوقاية والتثقيف والرعاية الرحيمة كضرورات وطنية، من خلال سياسات تدعم بيئات عمل مُلائمة للأسرة، وتمنع إرهاق مقدمي الرعاية عبر التدخلات المبكرة وخدمات الراحة، وتموّل برامج الفحص الجيني والصحي المُراعية للخصوصية الثقافية في المراكز الصحية التي تُركز على الأسرة. يضع هذا النهج دولتنا في طليعة الابتكار الصحي والكرامة والنمو، لتكون نموذجًا يُحتذى به عالميًا. ومع تعاون الأطباء وصناع السياسات، تُصبح الأسر شركاء متساوين في الرعاية، وتُصبح الصحة الوقائية مسؤولية يومية مشتركة، مما يضمن تحقيق وعد دولة الإمارات العربية المتحدة بالرفاهية لكل مواطن ومقيم. تُكرّم هذه المشاعر القيم الثقافية التي تُميز الدولة مع تبني الطب الحديث، وتعكس التزامًا بمستقبل تبقى فيه الأسرة نواة الصحة والمرونة والتقدم المجتمعي.



